الشيخ محمد رشيد رضا
381
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
للمعتاد أو للاعتدال ، أو طلب غايات الأمور وأعاليها ، لأنه افتعال من البغي وهو تجاوز الحد في الطلب أو الحق . ويكون في الخير كابتغاء رضوان اللّه وهو غاية الكمال ، وفي الشر كابتغاء الفتنة وهو غاية الضلال ؛ والنفق السّراب في الأرض ، وهو حفرة نافذة لها مدخل ومخرج ، كنافقاء اليربوع وهو جحره يجعل له منافذ يهرب من بعضها إذا دخل عليه من غيره ما يخافه ، والسلم المرقاة مشتق من السلامة ، قال الزجاج لأنه الذي يسلمك إلى مصعدك . وتذكيره أفصح من تأنيثه وانما يؤنث بمعنى الآلة . وأتى بكان فعلا للشرط ليبقى الشرط على المضيّ ولا ينقلب مستقبلا كما قالوا ، فان « إن » لا تقلب « كان » مستقبلا لقوة دلالته على المضي . والنحوي يأوّل مثل هذا التركيب بنحو : وان تبين وظهر أنه كبر عليك إعراضهم . وجواب الشرط محذوف للعلم به تقديره فافعل كما تقدم تقدم في أوائل السورة انهم كانوا يقترحون الآيات على النبي ( ص ) وكأنه كان يتمنى لو آتاه اللّه بعض ما طلبوا حرصا على هدايتهم ، وأسفا وحزنا على اصرارهم على غوايتهم ، وتألما من كفرهم وأذيتهم ، ولكن اللّه تعالى يعلم أن أولئك المقترحين الجاحدين لا يؤمنون ، وان رأوا من الآيات ما يطلبون وفوق ما يطلبون ، كما تقدم شرحه في تفسير أوائل السورة ( راجع تفسير الآية السابعة وما بعدها ) وقد أراد تعالى أن يؤكد لرسوله ما يجب من الصبر على تكذيب المشركين واذاهم الدال عليه ما قبله ، وان يريح قلبه الرؤف الرحيم من اجابتهم إلى ما اقترحوا من الآيات لما تقدم من حكمة ذلك ، فقال له : وان كان شأنك معهم انه كبر عليك إعراضهم عن الايمان وعن الآيات القرآنية والعقلية الدالة عليه - ومنها ما سبق في هذه السورة - وظننت ان إتيانهم بآية مما اقترحوا يدحض حجتهم ، ويكشف شبهتهم ، فيعتصمون بعروة الايمان ، عن بينة ملزمة وبرهان ، - فان استطعت ان تبتغي لنفسك نفقا كائنا في الأرض - أو معناه تطلبه في الأرض - فتذهب في أعماقها ، أو سلما في جوّ السماء ترقى عليه إلى ما فوقها ، فتأتيهم بآية مما اقترحوه عليك منهما ، فاءت بما يدخل في طوع قدرتك من ذلك ، كتفجير ينبوع لهم من الأرض ، أو تنزيل كتاب تحمله لهم من السماء ، وقد كانوا طلبوا أحد النوعين كما حكاه اللّه تعالى عنهم بقوله في سورة الإسراء